
قضيت ليلة كاملة في حراسات قسم شرطة الأوسط في مدينة القضارف بشرق السودان على خلفية البلاغ المدون في مواجهتي من قبل المدير العام لقوات الشرطة السودانية الفريق أول شرطة خالد حسان محي الدين.
تم وضعي في (زنزانة) إنفرادية ومنعوني من الاتصال بشخص لاحضار علاجاتي الطبيه لأمراض الضغط والسكري علما بأنهم احتجزوا هاتفي الخاص وتم وضعه في مكتب البلاغات.
أسرتي الصغيرة منعوني الاتصال بهم وإبلاغهم بمكان احتجازي علما بأن أصدقائي وأحبائي ظلوا يبحثون عني في معتقلات جهاز الأمن والخلية الأمنيهدة والاستخبارات العسكرية وكان ردهم واحد بأنني لست محتجزا عندهم.
مجموعه من المدججين بالسلاح يرتدون (الزي المدني) يمتطون سيارة (لاندكروزر) خرج إلي أحدهم وعزفني بنفسه ويتبع الى شرطة المباحث بولاية القضارف وتم اقتيادي الى قسم الشرطه.
سألتهم عن جريمتي لم يخبروني في البداية وعند وصولي القسم وبعد إلحاح شديد مني في السؤال أبلغوني بأن هنالك بلاغا من نيابة المعلوماتية مفتوح في مواجهتي ولم يعلموني من هو الشاكي وما هي المواد القانونية للبلاغ.
منعوني في البداية من قضاء حاجتي وأمروني أن (أتبول) داخل الزنزانة وفي (قوارير) المياه الفارغة ففعلت وانا مضطر ومكره على ذلك وتنحيت قليلا واديت صلاتي المغرب والعشاء جمع تقديم.
وظللت على هذا الحال في الزنزانة حيث جيوش البعوض تحاصرني من كل جانب ورائحة البول بجانبي منعتني من النوم حتى الصباح.
وفي صبيحة اليوم الثاني تم السماح لي بالذهاب الى (الحمام) لقضاء الحاجة فكانت (الفاجعة) عدد 2حمام فقط المسموح استخدامها لعدد يتجاوز ال100محبوس.
الحمامات (طافحة) ورائحة (البراز) تزكم الأنوف ومن (الاستحالة) بمكان الدخول عليها وانا مضطر ومكره عدت إلى الزنزانة وخلعت كل ملابسي ودخلت بالملابس الداخلية كي لا تتسخ ملابسي ببقايا الفضلات و تمكنت بأعجوبة أن أقضي حاجتي ولا أدري حتى الآن كيف قضيتها.
المتهمين في الحراسات في غالبيتهم يتبعون للقوات النظامية والحركات المسلحه وتتمثل جرائمهم في المتاجرة في المخدرات بكل أنواعها من بينهم (مصابين) من جرحى العمليات في معركة الكرامة.
مياه الشرب يضطر المحبوسين الى دفع قيمتها وتشرفت بدفع مساهمتي فيها والطعام يتم استجلابه على نفقة المحبوسين الى جانب الطعام الذي يتم إرساله لهم من أسرهم وذويهم.
للأسف الشديد أقسام الشرطة التي زرتها لا تصلح أن تكون مرابط (للحيوانات) ناهيك أن تكون مسكنا لبنى البشر.
معاملة قاسية من أفراد الشرطة المشرفين على هذه الحراسات ولا يعيرون أي اهتمام إنساني لهم ويعتلي صراخهم لفترات طويلة لفتح أبواب الحراسات لقضاء حوائجهم ولا حياة لمن تنادي.
قضيت بينهم ليلة ونصف يوم من أقسى أيام حياتي بينهم ولكنها كانت (ممتعة) جدا وهم يحكون لي ويرووون مشاكلهم.
مدير شرطة ولاية القضارف اللواء شرطة عصام محجوب لا يعلم بأحوال هؤلاء المحبوسين وهم (أمانة) في عنقه وسيسأل منها يوم لا ينفع مال ولا بنون.
المتهم برئ حتى تثبت إدانته قاعدة قانونية أساسية لا بد من العمل بها ولا بد من احترام (آدمية) الإنسان الذي كرمه (الخالق) من فوق سبع سماوات.
أسرتي الصغيرة أطفالي وزوجتي لم يناموا طيلة ليلة (إختفائي) والدموع لم تفارق عيونهم والتخيلات لم تفارقهم وهم يبحثون عن رد لسؤال أين ذهب والدهم؟؟؟؟ ومتى سيعود؟؟؟؟.
تمكنت في اليوم الثاني وبأعجوبة أن أتواصل مع زوجتي وأبلغها بمكان احتجازي فسارعت مشكورة باحضار العقاقير الطبية لمرض السكري والضغط.
لولا لطف الله بعدم استخدامي للعلاج لربما تتسبب لي (مضاعفات) وأدخل في غيبوبة بسبب حرماني لاستجلاب الأدوية.
تصوروا كل هذا حدث لي فترة يوم ونصف فما بالك من يبقون في هذه الحراسات لفترة من الزمن.
تألمت للجرح العميق بالقدم اليمنى لأحد منسوبي الحركات المسلحة وهو يربطها بقطعة من القماش وتصدر رائحه كريهة تألم من كان يجلس بجواره في (الزنزانة) الضيقة التي تكتظ بعدد كبير من المحبوسين.
غالبية المحبوسين بجريمة الإتجار بالمخدرات من شريحة الشباب تتراوح أعمارهم ما بين ال15 إلي 30عاما وهم من أمهر (المقاتلين) ويجيدون فنون القتال من خلال الاستماع إلى المعارك التي خاضوها.
من خلال ما شاهدته وسمعته عن إنتشار المخدرات في ولاية القضارف أمر مزعج جدا لأن الظاهرة في تزايد مستمر وذلك من التردد العالي للمتهمين على قسم الشرطة أثناء تواجدي بينهم.
أفراد الشرطة الذين يعملون في حراسات أقسام الشرطة محتاجون إلى دورات تدريبية وحرعات عالية في فنون التعامل مع المحبوسين وباالذات في الجانب (النفسي).
أحد المحبوسين قابلني بإحترام وتقدير عال وقال لي (يا عمك انت مش قاعدين يجيبوك في التلفزيون في برامج التحليل السياسي و اسمك محمد عثمان الرضي فرددت عليه بقولي نعم فأمر المحبوسين بالتصفيق احتفالا بمقدمي وإنضمامي لهم).
من خلال جلوسي معهم أخبروني بأنواع المخدرات وأصتافها ومدى تأثيرها ونصحوني أن إستخدام فقط (المنتج الوطني) (البنقو) وحذروني من تناول (الحبوب المخدرة) بكل أنواعها لأنها غالية ومكلفة وفعلا قدموا لي (محاضرات تثقيفية) قد لا أجدها في (أمهات الكتب).
ولم تكتمل المحاضرات التثقيفية إلا سمعت مناديا يطلبني في مكتب البلاغات ويسلمني (الهاتف الجوال) ويخبرني بقرار الإفراج عني وترحيلي الى مدينة بورتسودان حييث تم فتح البلاغ.
الشاكي المدير العام لقوات الشرطة الفريق أول شرطة خالد حسان محي الدين قدم لي جميلا وخدمة إنسانية لم ولن أنساها حياتي بأنه أتاح لي فرصه للاستماع لهؤلاء المحبوسين وأصدقكم الحديث بأنهم كانوا لي بمثابة إضافة حقيقية وهونوا على حجم المصيبة وأنسوني لها تماما وغادرتهم وأنا حزين على فراقهم.
لأول مرة في حياتي (إستاك) بغصن من شجرة (النيم) لإنعدام (الفرشة والمعجون) بحجة أن الدكان جوار (القسم) يفتح أبوابه متأخرا.
حمدت الله أن كان في جيبي مبلغ 13000 ألف جنيه (أعانني ) كثيرا في المصاريف داحل زنازين القسم الأوسط بمدينة القضارف.



